فـي أمان الله… يا أم علاء
بقلم: رفيقة دربكِ في الدعوة
سهاد عكّيلة
suhadakkilah@hotmail.com
سبعة عشر عاماً… تلك هي صحبتي معك يا أم العلاء في مسيرة الدعوة…
شريط من الذكريات: لقائي الأول بك… دروسنا… رحلاتنا… نزهاتنا… اجتماعاتنا… اختلافاتنا في وجهات النظر، ومناكفاتنا التي لم تكن تفسد قلوبنا… شغبنا الذي كنا نعاقَب عليه أحياناً… وَشْوَشاتنا وهمساتنا في الحلقة أو في اجتماع إدارة القسم النسائي، وتنبيه شيخنا المكلوم زوجك أدامه الله ذخراً لدعوتنا: يا فلانة ويا فلانة كفى همساً، ويوصي بعضنا بعضاً بألاّ نفعل بعد الآن… ثم نعود…
سنوات عشناها معاً بحلوها ومرّها في ظلال الدعوة… لن ننساها…
أم العلاء… هل شهدتِ لطف الله بكِ؟
لقد يسّر الله لكِ دورة تدريبية في إعادة صياغة النفس وصَقل الروح لتكوني أهلاً للقائه تعالى، بين فقرتيها استراحة عمرة…
يا ألله… ما أحلى هذه الخاتمة!
دورة لا ترقى إلى مستواها كل دورات بناء النفس في العالم، ولا إلى جزء يسير منها.
دورة كانت بقضاء الله وقدره وسابق علمه، وبلطفه وإكرامه لأمَته: تطهيراً للذنوب ورفعاً للدرجات، بإذن الله، نحسبك من شهداء الآخرة.
فمن عجائب صنع الله بكِ أنْ شفاكِ فجأة وأنتِ في غمرة المرض وشدّته… حالةٌ حيّرت الأطباء: إذ ذهبت الخلايا الخبيثة بنسبة 85 ٪، مما مكّنكِ من الذهاب إلى العمرة…
سبحان الله… لك يا ربنا مع خلقك شؤون… فقط لتذهب أم علاء إلى العمرة؟ ثم تعود إلى المستشفى مباشرة ليعاودها المرض… أشدّ من ذي قبل!!! لا إله إلا الله…
في المرة التي زرتك فيها - قبل أن تغيبي لثمانية أسابيع متواصلة - مع بعض الأخوات، كنا نحدثك عن أخبار الدعوة، وتوقفنا عند مشاركة منبر الداعيات في حفل مسابقة اللغة العربية الأولى في تركيا، فقلتِ بأننا بحاجة لأن نذهب في رحلة سياحية معاً إلى تركيا لنرفِّه عن أنفسنا، فكنا نمازحك فتقول إحدانا: أنا سأكون خادمة لكِ، وأخرى: أنا أغسل لكِ قدميكِ، أما أنا فقد مازحتُك قائلة: أما أنا فسأطبخ لكِ سندويشاً من اللبنة مع الخبز الأسمر… وتضاحكنا… ولسندويش اللبنة هذا - أعِزّائي - قصة… كانت أم علاء مرة في مركز القسم النسائي عندنا وجاعت جوعاً شديداً أثناء متابعتها لأمور الدعوة؛ فقمتُ بإعداد شطيرة من اللبنة لها، وكانت سابقة مني، فهذه ليست من الخدمات التي أقدمها عادة، إذ لكل واحدة منا نوع معين من الخدمات… فمازحتها قائلة: تفضلي… طبخت لكِ سندويشاً من اللبنة… فكانت سعيدة بها جداً، وأصبحت تتندر بهذه السابقة - بأنني «طبخت لها» - أمام بعض الأخوات…
آه… كم يخطط الإنسان لحياته… وكم من الأقدار قد نُسِجت له في الخفاء وهو لا يدري!
وفي المستشفى… عندما كان بعضنا ينحني ليقبِّل يدك أثناء مرضك، كنتِ من تواضعك تسحبينها بإصرار وتنحنين بدورك لتقبلي أيدينا… ونبكي… وتقبيل الأيادي ليس عادة عندنا، وقد كنا أثناء مرضك نتودد إليك بذلك ونُظهر لك حبنا… وهذا يذكِّرني بحافظة ومدرِّسة لكتاب الله أربعينية، دخلتُ عليها وهي تُقرئ النساء، وصافحتها - وبيننا صحبة رغم صِغر سنّي وقتها - فرفعتْ يدها وقالت: قبِّلي يدي! فنظرتُ إليها نظرة عتاب واستهجان وابتسمتُ بتعجب ثم دفعتُ يدها بلطف وقلت: سامحكِ الله، واتخذتُ مكاناً لي، وقد سقطت من عيني في الوقت الذي كانت تطلب لنفسها فيه العظمة والتمجيد!!!
لقد أحدث مرضكِ هذا تحولاً جذرياً في نفسك… وقد شهدنا ذلك، إذ كنت تردِّدين على مسامعنا بأنك راضية وسعيدة بهذا الابتلاء، وذكرت مرة ونحن نزورك في المستشفى بأنكِ تشعرين أن ابتلاءاتك لم تنته بعد… وبالفعل، ما انتهت إلا عند استقبالك أول أيام حياة البرزخ! نسأل الله أن يرزقكِ فيها السعادة والطمأنينة والرضا.
سنوات عشتها معكِ في تواصل دائم على مدار النهار بحكم عملي في القسم النسائي (في المجلة وفي الدعوة)، حيث كان بيننا خط داخلي مفتوح، نناقش من خلاله شؤون الدعوة وشجونها، وكذلك في المساء… فتكاد لا تخلو ليلة من تواصل لاستكمال متابعة الأمور، أو لمعرفة أخبار جديدة على صعيد دعوتنا… فضلاً عن لقاءاتنا الأسبوعية الثابتة التي لم تكن تقل عن ثلاثة أو أربعة… وانقطاع كل هذا شكّل فراغاً كبيراً.
يا ألله… كيف ننسى؟
ولعل من لطف الله بنا وبزوجك وبأبنائك وبأهلك، وكذا من حفظه لدعوتنا، أن جعل ذلك التمهيد لنا قبل رحيلك: حتى لا يكون وقع الغياب أشدّ - وهو شديدٌ شديد - وحتى نوزّع أعمالك على عدد من الأخوات ليُكملن المسيرة




























